الأهرامات.. عقيدة خلود لا محطات طاقة
علي أبو دشيش خبير الآثار المصرية
يخرج علينا بين الحين والآخر من يطرح آراءً وادعاءات بعيدة تماماً عن منهج البحث العلمي والأثري، تُجرّد الحضارة المصرية القديمة من جوهرها العقائدي والديني، ولعل آخر هذه الادعاءات ما تُردده بعض الأصوات حول أن الأهرامات لم تكن سوى “محطات لتوليد الطاقة”، وأن عدم وجود مومياوات داخل الهرم الأكبر ينفي كونه مقبرة!
وهنا يتوجب علينا، بصفة العلم والتخصص والأمانة التاريخية، أن نرد بالدلائل الأثرية والنصوص القاطعة التي لا تقبل الشك أو التأويل، لتفنيد هذه المغالطات وتوضيح الحقيقة للرأي العام:
أولاً: عقيدة الخلود وسر بناء الهرم
الفكر المصري القديم قام بالكامل على عقيدة “البعث والخلود” والعالم الآخر. الهرم لم يكن مجرد بناء هندسي مجرد، بل هو جزء من “المجموعة الهرمية” الكاملة (تضم معبد الوادي، الطريق الصاعد، المعبد الجنائزي، والهرم نفسه).
وكان الهرم يمثل “المعبر” أو “الدرج” الذي يصعد عليه الملك المتوفى إلى السماء ليلتحق بالآلهة وبالإله “رع”. وتحويل هذه الفلسفة العقائدية العميقة إلى مجرد “محطة طاقة” هو تفريغ للحضارة المصرية من مكنونها الروحي والفني.
ثانياً: حقيقة غياب المومياوات من داخل الهرم الأكبر
الادعاء بعدم العثور على مومياء داخل هرم خوفو لاتخاذه ذريعة لنفي صفة المقبرة عنه، هو ادعاء يتجاهل واقع التاريخ الأثري:
سرقات المقابر عبر العصور: الأهرامات تعرضت للنهب والسرقة منذ أواخر الدولة القديمة وخلال عصر الانتقال الأول، وصولاً إلى العصور الإسلامية والحديثة. اللصوص لم يتركوا الذهب ولا المومياوات الملكية، والتاريخ يذكر كيف فُتحت الأهرامات ونُهبت محتوياتها.
تابوت خوفو الجرانيتي: يتوسط “غرفة الملك” داخل الهرم الأكبر تابوت ضخم من الجرانيت الوردي المصنوع بدقة متناهية، وهو مفرغ من الداخل وبحجم لا يمكن إدخاله عبر الممرات الضيقة بعد بناء الهرم، مما يعني أنه وُضع أثناء البناء ليكون مستقراً أخيراً لجسد الملك خوفو.
أدلة المومياوات في الأهرامات الأخرى: إذا كان هرم خوفو قد تعرض للسرقة الكاملة، فإن الأهرامات المجاورة والأصغر حجماً قدمت أدلة قاطعة لا تقبل التشكيك؛ حيث عُثر على بقايا مومياء الملك جَدْ كَا رَع إِسِسِي (من الأسرة الخامسـة) داخل هرمه بسقارة، كما عُثر على أجزاء من الهيكل العظمي والمومياء الخاصة بـ الملك مَنْكاوْرَع (صاحب الهرم الثالث بالجبانة ذاتها في الجيزة) والتي نُقلت إلى المتحف البريطاني، فضلاً عن بقايا أجساد ملكية في أهرامات دهشور واللاهون وهرم مرن رع.
ثالثاً: اكتشاف مقابر العمال بناة الأهرامات (الدليل الحاسم للدكتور زاهي حواس)
من أهم الأدلة التي حسمت قضية بناء الأهرامات كـ “مقابر” وأنهت أسطورة الفضائيين أو محطات الطاقة، هو اكتشاف مقابر العمال بناة الأهرامات على يد عالم الآثار الكبير الدكتور زاهي حواس.
هذا الاكتشاف الأثري العظيم أثبت أن الأهرامات بُنيت بإرادة وسواعد مصرية سخرت حياتها لخدمة الملك وتشييد مقبرته الخالدة.
وعُثر داخل مقابر العمال على ألقاب ووظائف واضحة تُعرب عن طبيعة العمل، مثل “مشرف جانب الهرم” و”مفتش أعمال البناء”.
التخطيط المعماري لمقابر هؤلاء العمال جاء على شكل “أهرامات مصغرة” ، وتضم رفاتهم وأدواتهم الجنائزية، مما يؤكد أن الفكرة العقائدية لبناء المقبرة الهرمية كانت راسخة لدى الملك والشعب على حد سواء، وأن الهرم لم يكن آلة ميكانيكية بل مقبرة مقدسة.
رابعاً: بردية “وادي الجرف” (كشف القرن)
إذا أردنا الدليل العلمي المادي القاطع الذي يحسم ملف هرم خوفو تحديداً، فهو اكتشاف “برديات وادي الجرف” (أقدم برديات في تاريخ البشرية). هذه البرديات تتضمن سجلات يومية للمفتش “مرر”، وهو أحد المشرفين على فريق العمال الذين نقلوا أحجار الجرانيت والبازلت من طرة وأسوان لبناء الهرم الأكبر، وتذكر البردية صراحة اسم الهرم وهو “أفق خوفو”، وتصف إدارة العمل لبناء مقبرة الملك خوفو العظيمة تحت إشراف مهندس المشروع “عنخ خاف”.
هل كانت الدولة المصرية تسجل مستندات رسمية يومية لنقل أحجار مقبرة ملكية لتبني “محطة كهرباء”؟!
خامساً: متون الأهرامات والنصوص الجنائزية
ابتداءً من هرم الملك “أوناس” (آخر ملوك الأسرة الخامسة) وفي أهرامات الأسرة السادسة بسقارة، جُصصت جدران الغرف الجنائزية بـ “متون الأهرامات”، وهي أقدم نصوص دينية وجنائزية في العالم. هذه النصوص تتضمن صلوات وتعاويذ واضحة موجهة لحماية جثمان الملك المسجى في تابوته ومساعدته على البعث في العالم الآخر. وجود هذه النصوص على جدران الغرف الجنائزية داخل الهرم هو أكبر دليل كتابي على أن المنشأة برمتها منشأة جنائزية مقدسة.
إن الحضارة المصرية القديمة قامت على العلم والعمل والعقيدة، والأهرامات هي المعجزة المعمارية والهندسية التي شيدها المصريون القدماء بأيديهم لتكون مقابر خالدة لملوكهم العظام. وإن الرد على هذه النظريات وتفنيدها بالحقائق الأثرية والدلائل العلمية هو واجب قومي للحفاظ على تاريخنا وتراثنا من التشويه والاجتهادات غير المتخصصة.
موقع الشارع 24 هو منصتك الإخبارية الشاملة التي تواكب أحدث تطورات أخبار مصر، وتغطي مختلف محافظات الجمهورية بمتابعة دقيقة ومستمرة.
نهتم بعرض كل ما يخص بنوك وتأمين، بورصة وشركات، بترول وطاقة، رياضة، منوعات، مع محتوى متجدد في مجالات سياحة وطيران، اتصالات، سيارات ونقل، عقارات، صحة ومرأة، البوابة الزراعية.
كما نقدم تحليلات وآراء متعمقة في مقالات، إلى جانب تغطية فنية وثقافية متميزة في فن وثقافة.
تابع الشارع 24 لتكن دائمًا في قلب الحدث، بمحتوى موثوق وتحليلات حصرية تغطي كل ما يهم القارئ المصري والعربي.



